الأحد 20 آب 2017

مصر في قبضة التكفير!

محمود الزيباوي

تحت عنوان "تكفيريون وإن أنكرتم"، كتب محمد علي يوسف في صحيفة "اليوم السابع" مقالة انتقد فيها شيوع لغة التكفير على ألسنة خصوم الإسلاميين، ورأى أن النخب المثقفة باتت تردّد عبارات مثل "لينا رب وليكوا رب"، و"لا علاقة لكم بالدين"، و"متأسلمون والإسلام منكم براء"، تماماً كما يفعل أتباع الحركات الدينية. وأضاف: "ويا للعجب عبارات قطعية الدلالة التكفيرية يستعملونها لوصف من يرون أنهم تكفيريون". وتساءل: "أتُنهي عن خلق وتأتي بمثله؟ لو افترضنا، جدلاً، أن الفئة المخاطبة تكفِّر غيرها، فهل المقابل أن تُكفّر أنت أيضا وما الفارق، والكل يُكفّر بعضه في النهاية؟".

يتردّد صدى هذا القول في تصريح للمتحدث باسم حزب "الحرية والعدالة" حمزة زويغ نقلته وكالة الأناضول للأنباء، استنكر فيه حديثاً منسوبا إلى مفتي مصر السابق الشيخ علي جمعة يبيح فيه قتل معارضي عزل الرئيس محمد مرسي، وانتقد "صمت الليبيراليين واليساريين والعلمانيين" ازاء هذا الحديث، وعدم إدانتهم لـ"استخدام رجال الدين على هذا النحو في السياسة، على خلاف ما كان يصدر عنهم ضد حكم جماعة الإخوان المسلمين"، واعتبر أن "هذا الصمت هو انتهازية سياسية مفضوحة". وأضاف: "هم يعرفون أن الدين مكوّن أساسي في كل شيء في حياتنا، لكنهم يعلمون أنهم يخسرون حين يستخدمونه، بينما الآخرون يكسبون لأنهم الأقرب والأوثق عند الشارع".
تعكس هذه الأحاديث شيوع اللغة الدينية في مصر اليوم، وتبنّي منطق التكفير في الأوساط الثقافية والسياسية على اختلاف توجهاتها الإيديولوجية. بدأ هذا التحول في السبعينات، وتجلّى في شكل صارخ في سلسلة من الاغتيالات الفردية والجماعية، وصلت إلى ذروتها في التسعينات. في الرابع من تموز 1977، اختطفت "جماعة التكفير والهجرة" وزير الأوقاف الأسبق الشيخ محمد حسين الذهبي، وقامت بتصفيته بعد ذلك بساعات. كان الذهبي عالماً عُرف باعتداله في زمن نمت فيه التيارات الأصولية المتطرفة. بدأ حياته المهنية مدرّسا بكلية أصول الدين، وتدرّج فيها حتى عُيِّن عميداً لها، وأصبح بعدها أميناً لـ"مجمع البحوث الإسلامية"، ثم زيراً للأوقاف وشؤون الأزهر حتى تشرين الثاني 1976، واغتيل وهو في الثانية والستين من عمره، تاركاً سلسلة من المؤلفات تُعتبر من المراجع الرئيسية في علم التفسير.
صعد نجم الحركات الإسلامية المتطرفة في الثمانينات، وباتت جزءاً من المشهد العام في التسعينات. في حزيران 1992، اغتيل المفكر فرج فودة أمام باب "الجمعية المصرية للتنوير" في مدينة نصر، وذلك بعد صدور بيان في "جريدة النور" يكفّره ويفتي بوجوب قتله. في تشرين الأول 1995، طُعن نجيب محفوظ في عنقه على يد شابين حاولا اغتياله بعد اتّهامه بالكفر والخروج عن الملة، وتركت هذه الطعنة أثرها في الأديب الكبير حتى رحيله في نهاية آب 1996 عن خمسة وثمانين عاماً. انتقلت هذه الحركات المتطرفة من الاغتيال الفردي إلى الاغتيال الجماعي، فكانت مذبحة "فندق أوروبا" قرب الإهرام التي وقعت ضحيتها مجموعة من السياح اليونانيين في نيسان 1996، وتلتها مذبحة المتحف المصري التي سقطت فيها مجموعة من السياح الألمان في أيلول 1997، ثم مذبحة الأقصر في معبد الدير البحري التي أودت بحياة ثمانية وخمسين سائحاً أجنبيا، منهم ستة وثلاثون سويسرياً. دخلت شخصية "الإرهابي" إلى عالم الرواية والسينما والتلفزيون، وباتت جزءاً من المخيلة الجماعية، وذلك في زمن واصل المد الديني صعوده في أنحاء البقاع المصرية.
ظهرت قوة الحركات الإسلامية بشكل ساطع في أول انتخابات تجري بشكل ديموقراطي بعد اندلاع ثورة 25 يناير وسقوط الرئيس حسني مبارك. جرت انتخابات برلمان الثورة، وفاز فيها الإسلاميون بأكثر من ثلاثة أرباع أصوات الناخبين. بعدها، احتل حزب "الحرية والعدالة" الإخواني المرتبة الأولى في انتخابات مجلس الشورى كما في انتخابات مجلس الشعب، وحلّ "حزب النور" السلفي في المرتبة الثانية، وجاء حزب الوفد في المرتبة الثالثة، وباتت الكتلة المصرية في المرتبة الرابعة. حصد "حزب النور" يومذاك نحو ثلاثين في المئة من المقاعد البرلمانية، وتصدّر بذلك المشهد خلف حزب "الإخوان". خرجت السلفية المصرية من الظل إلى النور، وأظهر انتصارها في الانتخابات مدى تغلغلها في الشارع المصري. علا صوت السلفيين خلال هذه الانتخابات، وتبنّى خطاباً لم تعهده مصر من قبل، تمثّل بوجه خاص في تكفير الليبيراليين والعلمانيين. أفتى الشيخ محمود عامر يومذاك بعدم حرمة التصويت لكل من الليبيرالي والعلماني والقبطي والمسلم الذي لا يصلّي، وقال "التصويت لهؤلاء حرام شرعاً، ومن يفعل ذلك فقد ارتكب إثماً كبيراً، وتجب عليه الكفارة". هكذا، وُصف السلفيون بأنهم أهل الحقّ، ووُصف العلمانيون والليبيراليون بأنهم أهل الباطل، وشُبّهوا بـ"قوم شعيب"، واعتُبروا من "الجماعات الخارجة عن الدين".

أعداء الدين
شهدت مصر في السنتين الأخيرتين سلسلة من المعارك الفقهية الجدلية، منها مسألة "تهنئة النصارى بأعيادهم". اختلفت آراء الفقهاء المعاصرين بين مؤيد لهذه التهنئة، ومعارض لها. استند المعارضون إلى مواقف الشيوخ المعاصرين ابن باز وابن عثيمين وابن محمد الحقيل التي تتبنى فتاوى ابن تيمية وابن القيم، وقالوا إن تهنئة النصارى في أعيادهم حرام، لأن الله لا يرضى لعباده الكفر، ودعوا المسلمين إلى تجنبها. في المقابل، استند المجيزون لهذه التهنئة إلى آراء معاصرة تبيح معايدة النصارى المسالمين للمسلمين، ولا سيّما إذا كانوا يهنئون المسلمين بأعيادهم، واستشهدوا هنا بالآية الثامنة والستين من سورة النساء: "وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردّوها إن الله كان على كل شيء حسيبا". أجاز البعض هذه التهنئة من باب حقّ الجوار، وأجازها البعض الآخر من قبيل المجاملة وحسن العشرة، ودعوا إلى تجنّب الشعارات والعبارات الدينية التي تتعارض مع مبادئ الإسلام، واختيار كلمات مجاملة مجرّدة لا تشتمل أي إقرار للنصارى على دينهم.
صعد هذا السجال الفقهي في فترة تصدّعت فيها العلاقات بين الإسلاميين والأقباط على نحو غير مسبوق. في صحيفة "المصريون"، شنّ السلفي هشام النجار هجوماً على الكنيسة القبطية، واتهمّها بمعاداة الثورة، هذه الثورة التي انتفضت بحسب كلامه "على نظام مبارك الذي أعطاها من الامتيازات التي لم تكن تحلم بها، ورسّخ في قابلية المجتمع المصري لأن تكون هناك سلطة وكيان خارج إطار القانون والمحاسبة". وأضاف: "الكنيسة المصرية لا يهمها إقامة نظام ديموقراطي عادل تُعاد فيه الحقوق السياسية والاقتصادية لأبناء الوطن بمختلف انتماءاتهم، إنما يهمها فقط بصفة أساسية إعاقة هذا التحول للحفاظ على مكتسباتها السابقة، وعدم مطالبتها بشيء لا ترغب في إعطائه والإفصاح عنه، إضافة الى تحالفات إيديولوجية بطابع سياسي، مثل التحالف مع الناصريين واليساريين على رأسهم حمدين صباحي، والتحالف مع الشيعة وبعض فصائل التصوف التي تتبنى مناوءة التيار الإسلامي. المشهد متشابك والتحديات خطيرة والجهود التي تبذل جبارة، وقد انضوى في الحلف المناوئ للثورة كل الفاشلين وكل المتورطين في أعمال إجرامية سابقة ومعظم الكارهين لحكم الإسلاميين".
يجمع صاحب المقال بين الأقباط والناصريين واليساريين والشيعة، ويذكّر بحرب لا تزال مفتوحة يقودها إسلاميو مصر ضد الشيعة والتشيّع، وهي حرب "جديدة"، لم تعرفها مصر في العصر الحديث. في منتصف شهر آذار سنة 1939، تزّوج ولي عهد ايران محمد رضا بهلوي من الأميرة فوزية، ابنة ملك مصر فؤاد الأول وشقيقة الملك فاروق الأول، وتمّ الزفاف الملكي في القاهرة أولا، ثم جرى الاحتفال به في طهران. كتبت مجلة "الراديو المصري" يومها: "عاشت أميرة مصر المحبوبة الأميرة فوزية. وعاش الأمير المحبوب محمد رضا شاه بور. عاش العروسان وعاش عقد وفاق مصر وايران. هنا في كل مصر أفراح، في كل مديرية ومدينة ومركز وقرية وكفر. وهناك في ايران استعداد عظيم لاستقبال العروسين الكريمين". وغنّى محمد بخيت من كلمات قاسم مظهر: "حقق الله لنا كل المراد/ والتقى الشرق على صدق الوداد/ ذاك يوم البِشر في كل البلاد/ وهو في صفو الأماني يوم عيد/ التقى الفاروق بالشاه الجليل/ فالتقت طهران بالوادي الجميل/ وزها الإسلام بالمجد الأثيل/ فارفعوا الأعلام للدين المجيد". في الأربعينات، سعى الأزهر للتوحيد والتقريب بين المذاهب، وأنشأ لهذا الغرض داراً للتقريب المذهبي، ترأسها الشيخ محمود شلتوت. في الستينات، أصدر هذا الشيخ فتوى أباح فيها التعبد بالمذهب الجعفري المعروف بمذهب الشيعة الاثني عشرية كسائر مذاهب أهل السنّة، كما أباح التنقّل في ما بين المذاهب المختلفة.
بعد أكثر من نصف قرن، ظهرت فتوى أزهرية أطلقها عميد كلية الدراسات الإسلامية الدكتور حسين محمد محمود عبد المطلب تنفي فيها فتوى الشيخ شلتوت، وتحرّم التعبد على مذهب من "يعتقد بتكفير الصحابة وتحريف القرآن، ورمي أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها وأرضاها بما برأها الله منه، ومن اعتقد ذلك فهو كافر".
دخل الشيخ يوسف القرضاوي في هذه الحرب، ونفى وجود فتوى للشيخ شلتوت تجيز التعبد بالمذهب الشيعي، كما أنكر نسبها لإمام الأزهر السابق. احتدّ السجال، وقيل إنه "لا يوجد أي دليل على صدور مثل هذه الفتوى، كما أن الشيخ شلتوت، في حالة أن هناك فتوى، يمثّل رأي نفسه، وليس رأي المؤسسة الرسمية وهي الأزهر الشريف". لم يتوقف السجال عند هذا الحد. أرسل "ائتلاف المسلمين للدفاع عن الصحب والآل" إلى جريدة "الوفد" صورة من الفتوى المنسوبة للشيخ شلتوت، وهي لا تحمل أي أختام أو رقم صادر، وأرفقها بصورة فتوى الدكتور حسين محمد محمود عبد المطلب، ورأى أنه "لا يوجد أي دليل على صدور مثل هذه الفتوى، كما أن الشيخ شلتوت يمثل رأي نفسه وليس رأي المؤسسة الرسمية، وهي الأزهر الشريف".

الشريعة الكاملة
هذه هي حال مصر المحروسة الغارقة في بحور فتاوى التكفير والتكفير المضاد. اجتمعت "لجنة الخمسين" لمراجعة الدستور، واصطدمت مرة أخرى بالمواد الدينية الحساسة. ألغت اللجنة القانونية المعروفة إعلامياً بـ"لجنة الخبراء"، بعض مواد دستور 2012 المعطل، وعلت عندها أصوات تقول: "السيسي يسمح بسب الرسل والأنبياء في الدستور الجديد". اختارت لجنة الخمسين سياسة "تدوير الزوايا"، ونجحت في إمرار مسوّدة الدستور الجديد بلا صخب. بحسب جريدة "الوفد"، "بعد أن صوّت الأعضاء على المواد الأربع الخلافية، دعاهم عمرو موسى رئيس لجنة الخمسين إلى التصويت على الدستور وقوفاً وجاءت النتيجة بالإجماع. وشغلت الإذاعة الداخلية لمجلس الشورى السلام الجمهوري، وردد الأعضاء السلام الوطني". هتف موسى أربع مرات: تحيى مصر. وردّد الأعضاء من ورائه هذا الهتاف، و"خرج محمد إبراهيم منصور ممثل حزب النور قبل تشغيل السلام الجمهوري هرباً، حتى لا يقف احتراماً له".
في الأمس القريب، أعلنت مجموعة من نواب التيار السلفي في مجلسي الشعب رفضها الوقوف لتحية العلم، بحجة "أنه توقير وتعظيم لصنم، وأن التوقير والتعظيم لا يجوزان إلا لله وحده". في هذا السياق، خرج نائب رئيس الدعوى السلفية في الإسكندرية الشيخ ياسر برهامي بفتوى تقول إن الوقوف احتراماً للعلم والوقوف دقيقة حداد بدعتان محدثتان لا يصحّ للمسلم إتباعهما. رداً على هذه الفتوى السلفية، أصدرت دار الإفتاء المصرية فتوى أكدت فيها أن تحية العلم المعهودة أو الوقوف للسلام الوطني أمران جائزان شرعاً، ولا كراهة فيهما ولا حرمة. وأوضحت هذه الفتوى "أن هذه الممارسات والأفعال هي مما ارتبط عند الناس بحب الأوطان، وتواضعوا على دلالتها على ذلك، فصارت بذلك وسيلة عامة للتعبير عن الانتماء وتأكيد الولاء".
أكّد الأمين العام لـ"حزب النور" المهندس جلال مرة أن لجنة الخمسين لتعديل الدستور "حافظت بوطنيتها على الشريعة كاملة وعلى الحقوق والحريات، طبقا للشريعة"، ورأى أن "الدستور حدث عليه توافق وطني، ممّا يفتح آفاق الاستقرار والبناء والتقدم لهذا الوطن، ولشعبه العظيم الذي سطّر على مر التاريخ ملامح ثورته". في المقابل، أجرى رئيس تحرير صحيفة "المصري اليوم" ياسر رزق حواراً مطولاً مع الفريق عبد الفتاح السيسي سأله فيه عن مثله الأعلى، فقال: "قدوتي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأهتدي بصحابته في رشدهم لفهم الدين. وفي حي الإمام الحسين تشكل وجداني كمصري متدين وسطي يعشق وطنه".

"النهار"

تتمة المواد في في العلمانية ونقد الفكر الديني

المقال عدد القراءت تاريخ النشر
من محمد الإيمان إلى محمد التاريخ ـ 1 8327 الأربعاء 25 - 12 - 2013 - 16:24
فحولة الفتاوى وأجساد النساء 10729 الخميس 19 - 12 - 2013 - 12:24
مصر في قبضة التكفير! 7286 الأحد 15 - 12 - 2013 - 23:34
شخصية المجتمع الصحراوي ( جزيرة العرب نموذجا ) 9083 الجمعة 13 - 12 - 2013 - 23:08
الشذوذ واللواط في تاريخ الخلفاء الامويين والعباسيين 19793 الجمعة 13 - 12 - 2013 - 04:04
قبور بلا عظام 8527 الأحد 08 - 12 - 2013 - 04:08
ما بعد العلمانية وسؤال الدين في الغرب 8064 الإثنين 02 - 12 - 2013 - 02:24
تزوير التاريخ : دور الامويين فى الاسلام 14497 الخميس 21 - 11 - 2013 - 16:37
التفسير الحُلْمي للغائط : “ابن سيرين نموذجاً” 9058 الأحد 10 - 11 - 2013 - 19:26
المسيحيون العرب وظلم ذوي القربى 8199 الإثنين 04 - 11 - 2013 - 21:49
تصدر بالتعاون مع : "المجلس الوطني للحقيقة والعدالة والمصالحة في سوريا" و "المركز الأوربي لأبحاث ودراسات الشرق الأدنى في لندن"

Issued in Cooperation With:
The National Council for Truth, Justice & Reconciliation in Syria - SYNATIC And The European Centre for Near Eastern Researches & Studies in London - ECNERS

Copyright © 2008-2017 Syriatruth.net/org/info Custom Design by NeyoDesign

Login