الثلاثاء 21 تشرين الثاني 2017

"البوبو"

عناية جابر

درج في الغرب، منذ سنين، تعبير، لا يُعرف إن كان تهكمياً أم وصفيّاً، يطلق على فصيل من السكان بعينه غير محدد بدقة في ما إذا كان المقصود شريحة مهنية محددة من خلال سلوكها وقيمها أم طبقة اجتماعية. "البوبو" او البورجوازي- البوهيمي مثّل في البداية نعتاً لطيفاً لمجموعة من السكان غزت الأحياء الفقيرة والمصانع المهجورة وحولتها إلى مساكن حديثة وجميلة، من غير ان تغيّر معالمها الخارجية. المصطلح ظهر في البدء عام 2000، مع صدور كتاب "البوبو في الجنة" للصحافي الأميركي دايفيد بروكس الذي اعتبرهم نتاج خليط من أفكار سنوات الستينيات المثالوية والسلوكات الليبرالية الفردية المتحررة لسنوات ريغان.
لم يتوقف الباحثون عن العمل على المصطلح لكنه بقي مع ذلك غامضاً ولم يخرج إلى التداول الشعبي الواسع فعلا إلا في فرنسا على وجه الخصوص. من بورجوازية متوسطة تتغير أذواقها إلى بورجوازية صغيرة مثقفة إلى محدّثي الأحياء الشعبية الباريسية تراوحت الآراء بدون أن تختلف على نتيجة هذه الظاهرة وانتشارها على نحو أخذ يثير بعض القلق لدى المراقبين نظراً إلى ما قادت إليه من انحدار حاد في عدد السكان المنحدرين من أصول شعبية كادحة.
أسياد باريس الجدد أخذوا يحتلون، سكانياً، حجماً متزايداً منذ عام 1982 بقدر تراجع أحجام الطبقة العاملة، او لنقل على حسابها. فالعمال لم يعودوا يمثلون أكثر من 10 في المئة من الوظائف الباريسية مقابل 26 في المئة من وظائف الإعلام والمعلوماتية والفن والمعارض. ما بدأ مزحة صار اليوم جيشاً من الغزاة الذين يطردون السكان غير البوبو، البرولو (من بروليتاريا)، من العاصمة ومن المدن الكبرى كافة.
كبرت الظاهرة وبدأت معالم هذه الشريحة الاجتماعية تتوضح. فهم أبناء وظائف القطاع الثالثي الحديث المعولم، ولا سيما "الاقتصاد الافتراضي". فمع انهيار القطاعات المنتجة التي راحت تهجر مواطنها الأصلية إلى دول اليد العاملة الرخيصة حول العالم، نبتت مهن اقتصادية جديدة وعصرية وعالية الربحية أخذت بالنمو والتوسع تدريجاً. شرائح اجتماعية جديدة يفرزها منطق اقتصادي مضارب يفقر البلاد على المدى المتوسط والطويل لكنه يقود إلى ثراء سريع لشريحة جديدة من المجتمع.
هجم البوبو، أسياد القطاعات الجديدة، محمّلين بإرث من يسارية أهاليهم من جيل شباب ثورة 1968، على الأحياء الشعبية بهدف الاختلاط بالشعب. بالواقع طردوا الشعب وبقوا بالنتيجة بينهم وبين بعضهم. البوبو يساريو الهوى، يأكلون المنتجات الزراعية العضوية، وأصدقاء للبيئة وعدلاويون إجمالاً. يكافحون الفردية الغربية في أحيائهم بواسطة تنظيم حفلات أسبوعية لسكان الحي. في أعمالهم يمارسون كل ما يناقض أقوالهم وقناعاتهم وقيمهم البوبوية.
البوبو في فرنسا يساري لايت، إبن يساري ثقيل، طرد العمال من المدينة وجوّف الاقتصاد الفعلي. لا ينتج قيماً اقتصادية حقيقية بل يقتات من الديون التي يتحملها البلد كي يسدّ نزف الصناعة الهاربة إلى الخارج.
طبعاً نحن اقتصادنا ريعي ولا نملك صناعات هاربة لكننا بدأنا بإنتاج البوبو.

"السفير"

تتمة المواد في قضايا وآراء

المقال عدد القراءت تاريخ النشر
"معركة الوجود" بين حسن نصرالله والفاتح الجولاني 10591 الإثنين 30 - 12 - 2013 - 00:03
نهاية «النموذج التركي»! 9307 الأربعاء 25 - 12 - 2013 - 21:10
تحالف أوغاد "الأخوان" و"الوهابيين" 9166 الأربعاء 25 - 12 - 2013 - 21:10
"البوبو" 8807 الأربعاء 25 - 12 - 2013 - 20:58
سوريا بانتظار ما يسفر عنه الميدان.. لا «جنيف 2» 7497 الثلاثاء 24 - 12 - 2013 - 02:35
«ربيع إيران».. من كل الجهات 7908 الإثنين 23 - 12 - 2013 - 06:45
فيروز ـــــ زياد واليسار والذئاب الرمادية 8131 الإثنين 23 - 12 - 2013 - 06:19
تَفَكُك «الجيش الحر» أم إطاحة .. الائتلاف؟ 7931 السبت 21 - 12 - 2013 - 23:30
ما إلنا غيرك يا الله!! 7079 السبت 21 - 12 - 2013 - 06:42
مسيحيو "داعش" وأخواتها 6512 السبت 21 - 12 - 2013 - 03:53
تصدر بالتعاون مع : "المجلس الوطني للحقيقة والعدالة والمصالحة في سوريا" و "المركز الأوربي لأبحاث ودراسات الشرق الأدنى في لندن"

Issued in Cooperation With:
The National Council for Truth, Justice & Reconciliation in Syria - SYNATIC And The European Centre for Near Eastern Researches & Studies in London - ECNERS

Copyright © 2008-2017 Syriatruth.net/org/info Custom Design by NeyoDesign

Login