الثلاثاء 21 تشرين الثاني 2017

الغارة الإسرائيلية على اللاذقية والدور الروسي القذر

نزار نيوف

(عن صفحته الخاصة في موقع "فيسبوك")

لم يعد ثمة مجال للشك في أن الدولة العبرية نفذت غارة على مستودعات القوى البحرية السورية في قرية "السامية" في الخامس من الشهر الجاري. وإذا كنا أول من كشف عن الغارة وحدد جغرافيتها وهدفها بدقة، ونشر بعض الخرائط والصور للآثار الناجمة عنها، وأكدنا ـ بخلاف الجميع ـ أنها استهدفت مستودعات لصواريخ"ياخونت" وليس  صواريخ دفاع جوي "إس 300"، فلا زلنا نحتفظ بمعلومات وصور أخرى تحفظنا على نشرها في حينه لأسباب تخص الأمن الوطني السوري، وربما قد نلجأ إلى نشرها والكشف عنها في الوقت المناسب قريبا!

بخلاف حالات سابقة، تعمدت طغمة الخيانة الوطنية الحاكمة في دمشق التزام الصمت إزاء الغارة، فهي لم تنف ولم تؤكد حدوثها رسميا. لكنها أوكلت لبعض "شبيحتها الاستراتيجيين" في سوريا ولبنان، أمثال أمين حطيط، مهمة نفي الغارة حينا، وتأكيد حصولها أحيانا أخرى، ولكن بعد نسبها إلى مجموعة"الجيش الحر"، كما فعل حطيط بخفة وغباء لا يحسد عليهما! علما بأن "الجيش الحر"، وبخلاف الميل المرضي لقادته إلى التبجح والادعاء، نفوا علاقتهم بالأمر، وتكلموا ـ للمرة الأولى ربما ـ كلاما منطقيا وعقلانيا صائبا تماما حين قالوا بأن "الجيش الحر لا يمتلك قوة التدمير الهائلة التي استخدمت في ضرب المستودعات. ولهذا لا ندعي شرفا ليس لنا"! أما قناة "الميادين" فوصل بها درك الانحطاط المهني والأخلاقي حد تلفيق رواية سخيفة ومبتذلة تقول إن الغارة الإسرائيلية جاءت ردا على "إغراق" غواصة إسرائيلية قبالة الساحل السوري في أيار / مايو الماضي! وهو ما كشفنا عنه يوم أمس في تقرير خاص، بينا فيه أن "خبرية" قناة "الميادين" مأخوذة عن "بلوغ" تشبيحي سوري كان نشرها قبل نحو شهرين، وليس عن موقع أميركي، كما زعمت القناة في محاولة فاشلة منها لستر عورة النظام السوري والسلطان الذي تأكل من خبزه وتضرب بسيفه!

ارتباك النظام السوري، ونفيه غير الرسمي حصولها، يعود لسبب واحد فقط يتعلق بالتعهد الذي كان أطلقه رئيسه ( مقابلته مع"المنار") وإعلامه الرسمي، فضلا عن تسريباته الأخرى التي سبقت ذلك، والتي جاءت بعد الغارة الإسرائيلية على "قاسيون" في دمشق مطلع أيار /مايو الماضي بأسلحة مشحونة باليورانيوم المنضب. يومها تعهد النظام بأن حكاية "الرد في الوقت المناسب" قد انتهت، وأن هناك تعليمات للجهات العسكرية المعنية بالرد على أي عدوان إسرائيلي مستقبلي "دون الرجوع إلى القيادة"!

لم يكن تعهد النظام بالرد وليد شجاعة أو وطنية داهمته فجأة ، بل نتيجة للرسالة التي تلقاها من الحكومة الروسية في حينه، والتي أكدت أن الغارة الإسرائيلية على "قاسيون" هي الأخيرة، وإن إسرائيل لن تكرر ذلك. وكان الرئيس الروسي تلقى ضمانات من رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن حكومته لن تهاجم الأراضي السورية مرة أخرى.

وبناء على تطمينات الرئيس الروسي، المبنية أصلا على تطمينات نتياهو، قام النظام السوري ببيع موقف كاذب لمواطنيه ادعى من خلاله أن "زمن الصمت وعدم الرد انتهى". لكن المفاجأة الإسرائيلية في اللاذقية، سواء من حيث التوقيت أو من حيث الهدف أو طريقة التنفيذ، أربكته وأربكت أصدقاءه الروس معه. فهو إن أكد حدوث الغارة، يعني أنه مدين لشعبه بتنفيذ تعهده( بغض النظر عن أن مصداقيته لا تساوي أصلا أكثر من صرماية). وهذا ما لاقدرة له على القيام به، سواء لأسباب سياسية تتصل بطبيعته الخيانية والتفريطية بالمصالح الوطنية كنظام مافيا إجرامية همها الأول والأخير الإبقاء على حالتها "الاحتلالية" و"الكولونيالية الداخلية" في البلاد، أو لأسباب "تقنية" تتصل بعدم قدرة الجيش السوري أصلا على الرد، لاسيما بعد أن فقد تقريبا ثلث قواته القتالية في المعارك الداخلية(حوالي خمسين ألف شهيد وقرابة مئة ألف جريح من القوات المسلحة العاملة والضاربة، وأكثر من ألف دبابة وعربة مدرعة، فضلا عن دمار قسم واسع من القوى الجوية والدفاع الجوي على أيدي العصابات الوهابية ـ الأميركية ـ التركية، وخسارته العشرات من أهم طياريه وأكفأهم ، سواء قتلا واغتيالا على أيدي العصابات المذكورة، أو استشهادا خلال العمليات الحربية ضدها...إلخ).  

حرج الموقف الروسي، المعبر أصلا عن قذارته، ظهر يوم أمس على نحو فج  لا سابقة له في وقاحته وغبائه من خلال  تسريب رواية سخيفة وتافهة إلى الإعلام الروسي تزعم أن طائرات إسرائيلية قصفت اللاذقية انطلاقا من الأراضي التركية! وقد جرت ملاقاة هذه الرواية السخيفة برواية سورية شبه رسمية ، متممة لها، تزعم وجود قواعد إسرائيلية في تركيا. والأمران كلاهما سارعت تركيا إلى نفيهما واعتبارهما "أتفه مما يمكن الرد عليه".

بخلاف أي مرة أخرى، كان النفي التركي للرواية صحيحا وصادقا، ليس لطهرانية الدور التركي، المعروف بقذارته منذ العام 2007 حين سمح أردوغان ( صديق الأسد الحميم في حينه!) للطائرات الإسرائيلية باستخدام المجال الجوي لبلاده في قصف موقع "دير الزور" العسكري، ولكن لأنه ما من شخص فيه ذرة واحدة من العقل يمكنه أن يصدق الرواية الروسية. وذلك لسبب تقني محض. فحتى لو قررت إسرائيل استهداف اللاذقية عن طريق سلاح الجو( وهو لا أساس له، فقد ثبت إنه جرى من خلال غواصة دولفين وبصواريخ"هاربون" بحر ـ بر)، فإنها لن تكون بحاجة للأراضي التركية، بالنظر لأن قاذفاتها من طراز "إف 15" تستطيع الإقلاع من أي قاعدة في فلسطين المحتلة وضرب أي هدف في سوريا، والعودة إلى قاعدتها دون الحاجة إلى التزود بالوقود جوا، بل ودون الحاجة حتى إلى استخدام خزانات وقود احتياطية. فالمدى العملياتي للطائرة المذكورة ، حتى دون استخدام خزاناتها الاحتياطية، يصل إلى أكثر من 3500 كم ، أي ما يزيد عن أربعة أضعاف المسافة بين أقصى جنوب فلسطين المحتلة واللاذقية!

الرواية الروسية ، الملفقة على نحو غبي ومبتذل، سببها حرج موقف الحكومة الروسية. فالعالم كله يعرف أن هناك مجموعة من السفن الحربية الروسية المرابطة في المياه الإقليمية السورية على نحو شبه دائم، فضلا عن مرابطتها الدائمة في حوض المتوسط الشرقي التي تمخره دون توقف منذ أكثر من عام. ومن بين هذه السفن هناك سفينة متخصصة بالعمليات الإلكترونية المعقدة، التي تشمل مراقبة المجال الجوي والبحري، فضلا عن المسح الدائم لأعماق البحر بواسطة أجهزة "سونار" المعقدة والمتطورة جدا، والتي تستطيع تحسس الغواصات وحتى عمليات الضفادع البشرية على أعماق ومسافات كبيرة جدا!

ليس مطلوبا من الروس، وليس من مهمتهم أصلا، أن يتولوا التصدي للاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي والمياه الإقليمية السورية. ولكنهم مرغمون ، سياسيا وأخلاقيا وقانونيا ( بحكم اتفاقيات التعاون العسكري)، على إحاطة البحرية السورية، والدفاعات الأخرى، بإنذار مبكر قبل حصول العدوان. وهو ما لم يفعلوه ، بدليل أنهم لفقوا الرواية الأخرى المشار إليها. و لو كانوا قدموا إنذارا مبكرا للجيش السوري، لما كانوا لجأوا إلى التلفيقة المشار إليها، ولكانوا التزموا الصمت ، أو كانوا أو كلوا لتابعهم النظام السوري أمر الحديث عن إحباط اعتداء إسرائيلي، أو ما شابه ذلك!؟

أحد الأسئلة الكبرى المتعلقة بغارة "السامية"، ولعله سؤالها الأكبر والأهم: لماذا مارس الروس قذارتهم على هذا النحو السافل و السافر و الفاضح!؟

تتمة المواد في مقال الحقيقة

تصدر بالتعاون مع : "المجلس الوطني للحقيقة والعدالة والمصالحة في سوريا" و "المركز الأوربي لأبحاث ودراسات الشرق الأدنى في لندن"

Issued in Cooperation With:
The National Council for Truth, Justice & Reconciliation in Syria - SYNATIC And The European Centre for Near Eastern Researches & Studies in London - ECNERS

Copyright © 2008-2017 Syriatruth.net/org/info Custom Design by NeyoDesign

Login