الأحد 25 حزيران 2017

رواية حمص ، بين شبيحة النظام وذبيحة الثورة - الحلقة الاولى

خضر سعيد – حمص

التاريخ يسكن مدن الشرق ويصنع حاضرها ، فكيف والحال هذه يمكن فهم حاضر حمص دون فهمٍ معمق لتاريخها؟

هي جارة تدمر والمتفوقة على دمشق برؤساء الجمهورية والوزارة الذين خرجوا من بين ابنائها قبل وصول البعث الى السلطة ،  والمسافة ما بين حمص وكل من تدمر( جنوب شرق )  ودمشق ( جنوب ) متماثلة الى حد التطابق ، ومع ذلك يجد الحماصنة  فخرهم في شخصيات اخرى ليس منها معاوية ولا زنوبيا، هنا تسمع عن قلعة اسامة  التي بناها البيزنطيون وفوقها بنى الايوبيون قلعتهم التي رممها حاكم حمص " المنقذ الحمداني " والاخير سماها على اسم ابنه اسامة .  ولهواة النوع من الطائفيين والتكفيريين نشير الى ان قبر ابي فراس الحمداني " العلوي " موجود عند سفح القلعة منذ مئات السنين وقد حفظه الحماصنة على اختلاف مذهبهم عنه واحتفوا به دوما كبطل لاهل المدينة .

يقول اهل المدينة في حكاياهم الشعبية ان شقيقان اعادا ترميم القلعة على  مدار مئة عام  بعد زلزال هدم بعض اسوارها ، وقد صقلا صخورا من الحجر الاسود الذي بنيت منه في الاصل وسندا بها ما وقع من تاريخ القلعة ، وإن كانت الرواية الشعبية السابقة غير مسندة ، فأن القلعة  اضحت مع الزمن جزء من تاريخ المدينة وواقعها ، يراها الناظر من بعيد فيخالها  تلة مرتفعة تعلو المدينة وتشرف عليها من وسطها القبلي وتودع الراحلين منها الى دمشق او الى الجزيرة العربية ، هي القلعة نفسها التي قاتل الثوار منها عثمانيو الامس الذين يحلم حماصنة اليوم بغزو احفادهم لمدينتهم – عاصمة الثورة وعارها .

منها خرجت جوليا دومنا واليها  ينتمي(كاركلا 211 ـ 217) و(ايليو طابال 218 ـ 228) والاسكندر (229 ) و  " فيليب العربي " قياصرة الروم في زمن غابر .

 ومن حجارتها بنى الكهنة تمثالا اسود لإله الشمس الهيليني وقد حملت اسم "  ايميسا "  الى زوال حكم تدمر عنها ودخول المسيحية اليها ثم عادت واصبحت حمص تعريبا لاسم "حمث "  الذي عرفت به في زمن الاراميين والسلوقيين والحثيين والاشور والرومان .

 وقد روى المؤرخ يوسيفوس أن (حمث بن كنعان) بنى مدينتين وسماهما باسمه، وميز القدماء بين الاثنتين باللقب فقالوا (حمث الكبرى) حمص و(حمث الصغرى) حماة. ثم بدلت التاء صاداً على عادة الآراميين، وقيل أن آرام بن سام أسسها بنفسه كما روى صاحب معالم وأعلام ص 340. وقال ابن فضل اللّه اسمها القديم سوريا (ابن الشحنة: الدرّ المنتخب ص270).

عند اطراف " حمص القديمة " ترقد اجساد صحابة وصلوا اليها مع الفتح الاسلامي ولم يغادروها ودفنوا في مقبرة تعرف بـ " الكتيب " وتروي كتب التراث (ويزيد عليها التراث الشعبي الشفهي ) روايات كثيرة حول كرامات تصيب  من يسكن بجوار تلك المقبرة في يوم القيامة،  لذا نشب صراع " في عالم الدنيا " على كرامات " عالم الغيب والشهادة "  - في زمن ليس ببعيد -  بين احياء حمص حيث زعم كل حي قريب نسبة المقبرة الى منطقته .

 فأهل باب دريب يقولون ان مقبرة " الكتيب "  تقع في حيّهم ،  وينافسهم في زعمهم قاطنوا احياء اخرى

 

حمص التي ترفع اليوم شعار التدخل الدولي وتطالب بالغزو التركي كانت قد  قدّمت خلال الاحتلال العثماني   شهداء كثيرين منهم العلامة الشيخ عبد الحميد الزهراوي والمحامي  رفيق رزق سلوم والدكتور الضابط عزة الجندي الذين اعدمهم الاتراك عام 1916.

من جامع " الكبير " (تذكره مصادر التاريخ بجامع النوري الكبير)  تنطلق اليوم تظاهرات التشييع لقتلى وشهداء وجزارين يوصفون جميعا بـ" شهداء الثورة " مع ان من بينهم من تورط في تطهير بعض احياء المدينة عرقيا (خمسة من احيائها اصبحت صافية مذهبيا بعد قتل وخطف المئات من ابناء اقليات اسلامية ومسيحيين مقيمين فيها ما دفع اترابهم مذهبيا الى الهرب منها ).

 ومن داخل  مسجد خالد بن الوليد في الخالدية تقود الثورة عمائم تتحدث مع ابناء المنطقة بشيء وتزعم مع الوسطاء والمصلحين شيئا آخر .

هي عاصمة الانتقام من نظام لم يترك في حمص اثرا يذكر في نفوس اهلها الا قمع يزعم من يثور اليوم انه مورس على ابائهم في الثمانينات لاسباب طائفية !

يقول قائل :

لقد كنا نخاف حتى من اللهجة القروية لبعض ابناء الاقليات ، حتى اصبح لبعض المحتالين ممن يريدون قضاء حاجتهم عند اهل حمص لهجة رديفة هي لهجة ابناء قرى حمص الساكنين فيها .

ويتابع المتحدث الحمصي المتعاطف مع المعارضين :

" من اسباب الانتفاضة العنيفة حاليا ان النظام لم يعرف كيف يقدم روايته لحقيقة ما جرى في الثمانيات مع الاخوان المسلمين،  واتكل من حكموا على هيبة السلطة ،  وعلى صيت القمع ،  وعلى الرهبة من اجهزة الامن،  فزرع حقدا تفجر مع الابناء والعوائل عنفا مسلحا لم تكن حمص لتبرع فيه لولا ارث الدم ووفرة طالبي الثأر .

في الثمانينات ارتبط انتصار النظام على ميليشيا  " الاخوان "  المسلحين بوقوف دمشق على الحياد ، ولكن اهل حمص ، ممن سجن  او قتل او اختفى قريب لهم في زمن البعث الاول قبل حكم الرئيس بشار الاسد،  لا يذكرون من داعمي الرئيس الراحل (حافظ الاسد)  في معركته ضد الاخوان الا العلويين من ابناء مدينتهم او القاطنين فيها .  

الجامع  " الكبير "  كان هيكلاً لأله الشمس ثم حوله القيصر ثيودوسيوس إلى كنيسة ثم حول المسلمون نصفه إبان الفتح العربي إلى جامع وبقي النصف الآخر كنيسة للمسيحيين، حتى تولى  المتوكل العباسي أمر تأديب النصارى العرب الذين ثاروا مع مواطنيهم المسلمين  على القائد العباسي لقلعة حمص  فصلب المتوكل رؤساءهم وادخل القسم الثاني من الكنيسة السابقة  إلى الجامع (الطبري مج11 ص50).

وعلى ما يبدو يريد الطائفيون من ابناء حمص المعاصرة استكمال ما فعله " المتوكل العباسي " قبل قرون ،   فشنوا قبل اسابيع هجوما مسلحا على كنيسة " ام الزنار " في الحميدية وهي الكنيسة الاشهر للسريان الارثوذكس  و التي تضم " ذخائر مقدسة "  يعتقد انها كأس فضة وزنار ثوب السيدة العذراء مريم  .

  بعض الحماصنة (من الذين يفخر بهم المخرج " هيثم حقي "  و الذي يزعم انتمائه الى اليسار ووالالحاد ، وقدر ورد فخره بهم في مقابلته مع راشد العيسى في عدد السفير اللبنانية نهار الجمعة الثامن عشر من ت2 نوفمبر )    لم يعد بوسعهم تحمل اي مقيم بينهم الا ان تطابق معهم في المذهب ، وهذا ما يجعل من ادعاءات سلمية الثورة وعدم طائفيتها في حمص كلاما في الهواء يشبه رشة دهان (ديكو ) يطلقها في مدار الوهم عامل فاشل.
هي عاصمة " الثورة " بحسب ما يتفاخر به ابناء احياء الخالدية وبابا عمر وباب السباع وباب الدريب والميدان وباب التركمان   و " القصور " و" الارابيس " و " بستان الديوان " و " التوزيع الاجباري " الخ .

 المفارقة ان الواقع الطائفي في حمص اغرب من الخيال ، وابعد من اي دعاية قد يخطط لها عقل امني - دعائي في النظام .

فهذه الاحياء " الثورية " اوقف مسلحون خرجوا منها (منتحلين صفة ولابسين ثياب رجال الامن السوري ) باصات تحمل مدنيين ابرياء من قرى علوية ومسيحية  مثل الصويرة والذهبية  وبرشين وانزلوا الركاب وقبل ان يطلقوا سراح من هم من طائفة الاغلبية قتلوا بالرصاص كل من ظنوا انه علوي او مسيحي .

إثر ذلك شهدت احياء حمص  نزوح كثير من المعارضين الذين كانوا قادة لتنسيقيات وليدة او منسقين لتظاهرات خرجت في المدينة في اول ايام الحراك ، ثوار ولكنهم  هربوا من بيوتهم مع من نزحوا من تلك الاحياء خوفا على حياتهم وعلى عوائلهم من بطش ملثمين يشي اجرامهم ووحشيتهم  بانتمائهم الى التيار الوهابي ومن تلامذة تنظيم القاعدة. هؤلاء الارهابيون  جالوا على البيوت فخطفوا من خطفوا وقتلوا من قتلوا  و هددوا من هددوا دون تفريق بين معارض وموالي،لا لشيء إلا لأن الجنون الطائفي المستورد مع التكفيريين من العراق ولبنان (كما يزعم بعض العلمانيين) وصل الى حمص باكرا مستعينا ببطش النظام وشبيحته  ضد المتظاهرين الذين بدأو سلميين ثم تحولوا الى انتقاميين وطالبي ثار بعد مقتل رفاقهم برصاص رجال الامن  " وهذا  ما يزعمه على الاقل  المعارض  " ماهر وسوف " (اسمه الاول وهمي )  وهو احد المسيحيين الهاربين من " الخالدية " .

لماذا قد يهرب قيادي ميداني من قلعة الثورة في الخالدية ؟

 اليساري المخضرم يصر على علمانية قادة التحركات الشعبية في بدايات الثورة ويشرح :

 " ولكن النظام اطلق شبيحته في شوارع المدينة ردا على تجمع المعارضين في ساحة الساعة وانتهى الامر بمجزرة دفعت متظاهرين سلميين الى البحث عن وسيلة للثأر والانتقام.

ويروي  وسوف ما حصل في ساحة " الساعة "  فجر التاسع عشر من نيسان ابريل  فيقول :

كان امام مسجد خالد بن الوليد خطيبا في المعتصمين الذين احتلوا الساحة في اليوم السابق واقاموا مخيمهم فيها (هي الساحة الرئيسية وتمثل وسط المدينة وتحيط بها البنوك والمراكز الحكومية والاسواق المركزية اي انها العصب المالي والتجاري والحكومي في حمص ) .

وصلت الى المكان قبل صلاة الفجر سيارات عسكرية تقل عميدا ومرافقين ، وقد ابلغ الضابط الرفيع المستوى الشيخ محمد سهيل جنيدي بضرورة اخلاء الساحة لعدم تعطيل المعتصمين للحياة الاقتصادية في وسط المدينة وعرض الضابط على الشيخ ان يحمي النظام انتقال المتظاهرين سلميا من الساحة الى ساحة مسجد خالد بن الوليد (تماثل ساحة الساعة مساحة ) فنادى الشيخ على المعتصمين لكي ينقلوا الاعتصام فهاجمه بعضهم ووصفوه بالمتخاذل والجبان فاصبح اكثر منهم تطرفا في الرفض وعاد الضابط اكثر من مرة محذرا من العواقب ، ثم غاب الضابط وظهر مسؤولون بثياب مدنية وابلغوا لجنة من قيادة الاعتصام  بمهلة اخيرة لفك الاعتصام هي نصف ساعة فقط.

ويتابع ماهر وسوف فيقول :

في الساعة الثانية والاربعين دقيقة فجر الثلاثاء وصلت قوات كبيرة من الشبيحة وظهر فيما بيننا امنيون كانوا مندسين بين المعتصمين ويشاركوننا الهتاف ، اطلقت القوات الامنية ويساندهم الشبيحة النار في الهواء اولا ثم على المعتصمين فسقط منهم قتلى العشرات .

رواية ماهر وسوف  حول ما جرى في الاعتصام ينفيها " عمار الحسن " (طالب هندسة ميكاترونيك  في جامعة البعث ) وهو احد المشاركين في اعتصام ساحة الساعة ،  وهو ايضا معارض اقلوي انقلب على معارضي حمص - بعد ان تحولوا بحسب وصفه -  الى مجموعة برابرة  " يبحثون عن ضحاياهم وبيدهم السلاح وفي قلوبهم نوايا قتل متعمد لا تفسير لها الا الحقد الطائفي ، وهو حقد فاجأني وانا شريك نضال سلمي سابق لكثير من  المتعطشين لدماء الاقليات اليوم.

ويرى " عمار الحسن "  ان الدعاية الطائفية  قد حولت اغلب المتظاهرين الشباب الى اعضاء في التيارات الدينية ، وقد نجحت  قنوات صفا والوصال الوهابية  والجزيرة والمشرق وبردى -  الممولة من اميركا وحلفائها في قطر - نجاحا   لا حدود له في تغيير منطلقات المتظاهرين الفكرية في حمص ، كنا طلاب حرية فاصبح الطائفيون الشباب طلاب انتقام قبائلي ولا حل ممكن معهم الا بالحسم الامني والعسكري بعد ان استوطنت قلوبهم كلمات عدنان العرعور وغيره من مشايخ التكفير !! "  

ويروي الحسن ما حصل في الساحة فيقول :

كان مع الاعتصام  ثلاثة مسلحين لحمايته وقد استنكر كثيرون منا وجودهم ولكن ناشطون كبارا من قادة الاعتصام برروا الامر بانه لحمايتنا .

وقد انتهى الجدل حول هؤلاء بادخالهم في وسط المعتصمين حتى لا يظهر السلاح الذي يحملونه على كاميرات التصوير .  

يتابع الحسن :

عند وصول الامن والشبيحة معهم ، اطلق بعض الامنيين النار في الهواء لتفرقتنا فبدأنا في التكبير (رغم اني علماني ) ولكننا فوجئنا بجموع من المتظاهرين الآتين للأنضمام الينا  ولكن المفاجأة انهم كانوا من الغوغاء ، وقد بدأوا برشق الحجارة والمولوتوف على قوات الامن، وكل مقاصدهم كانت سرقة البنوك التي لها مقرات رئيسية في الساحة .

بدأ حينها قوات الامن بالتراجع فدب الحماس في اوساط المعتصمين ولم ننتبه جميعا الى المسلحين الثلاثة وسطنا الا بعد ان بدأوا باطلاق النار على الامنيين من الخلف، حينها سحب عدد يفوق العشرة من عناصر الامن المندسين وسطنا سلاحا فرديا ( مسدسات ) واطلق بعضهم النار في الهواء، بينما اطلق آخرين النار على المسلحين الثلاث وقتلوهم فهرب المعتصمون وبدأ الغوغاء  في تكسير البنوك وحاولوا اقتحام  واجهات بنوك بيمو – عودة – قطر الوطني ونجحوا قبل ان يعود الامن ومعه اعداد هائلة من الشبيحة (لقب يطلقه المعارضون على عناصر الامن الذين يلبسون ثيابا مدنية ) ثم انطلق بعض المتظاهرين فكسروا رمز المدينة اي الساعة الجديدة وبدأ اطلاق النار غير معروف المصدر وربما كان الشبيحة او الامن هم من اطلقوا النار بعد ذلك فقتل اربعة من المتظاهرين وبلغ بذلك عدد الشهداء السبعة بينهم واحد من الامنيين المندسين حيث امسك به المعتصمون وقتلوه ضربا بالعصي والجنازير .

لماذا انقلبت على الثورة ولم ينقلب ماهر وسوف مع ان كليكما اقلوي وهارب من التكفيريين؟

اجاب الحسن:  

 ماهر وسوف الهارب من منطقة المعارضة المحررة في الخالدية هو ممن قضى في سجن تدمر نصف عمره الخمسيني  وقد اجبرته على الهرب من الوحش الذي ساهم في اطلاقه  وعائلته  " حال الفلتان الامني التي تسبب بها ظهور المسلحين بكثرة في الحي وللأسف تبين ان معظمهم ينتمون لصنفين ، عصابات تضم قطاع طرق وخاطفين مقابل فدية،  ونوع آخر هم اكثر عددا واشد سطوة وتنظيما وهم الوهابيون وحلفائهم من انصار الاخوان المسلمين واما اليساريين فلم يتورطوا في الدم  "

كم عدد اليساريين برأيك بين انصار الحراك ؟ سألناه فاجاب :

" كانت حمص فيما مضى معقل لليسار وللقوميين العرب وخاصة لحزب الاتحاد الاشتراكي الذي اسسه ابن حمص جمال الاتاسي والذي يرأسه اليوم حسن عبد العظيم ، وحتى بعثيي حمص لم يكونوا من الوصوليين بل هم من خيرة اليسار في البعث الحاكم لذا كانوا دوما من المبعدين ومن المغضوب عليهم وقد شاركت  نخبة منهم السجون مع اليساريين في الثمانينات "

حمص " عاصمة الثورة وعارها " يقول ادهم النقري ، وهو معارض آخر اضطر الى ترك منزله في الانشاءات شارع البرازيل قرب بابا عمرو بسبب التهديدات التي وجهت له على خلفية مذهبية رغم مشاركته في تظاهرات معارضة،  فبعد  اطلاق النار على صائغ  من آل نقرور ومقتله ، عمد المسلحون الى احراق محل ادهم النقري المجاور لمنزل النقرور في شارع البرازيل  ، وقد  ترك له زملاء الامس  تهديدات بالقتل على جدارن المبنى الذي يسكنه عدد وفير من ابناء القرية التي وفد اباء "  النقـّري "   منها الى حمص.  

" عاصمة الثورة لأنها - بحسب النقري -  آخر المدن المتمردة التي لا تزال تمسك بخناق  الحكم ، وهي عارها لأن منها انفجر نهر الثأر من انصار النظام وادواته، فغلب جنون الانتقام على عقول المتظاهرين "  كما يغلب نهر العاصي ،رفيق المدينة وشريان حياتها قدر الطبيعة ويعاكسه، رفعت المدينة في البداية  شعار ( سلمية سلمية) ولكن الشعار  لم يصمد امام طوفان الطائفيين،  وقد استبدله المتظاهرون سريعا بلباس عسكري ولثام وسواطير تبحث عن دم مذهبي مختلف لتفتك به " .

كلام عن طائفية احياء الثورة يعاكسه ما هو مشهور عن بعضها من عدم اهتمام بالاديان بل بالتهريب مثل حي بابا عمرو ، فهو حي عشوائي خارج عن القانون بالفطرة ، ففيه مسلحون مزمنون يبيعون كل شيء مهرب من المخدرات الى السلاح الى تجارة العملة المزورة وفي جورة العرائس (احدى شوارع بابا عمرو ) تنتشر روايات بنات الشارع المتهمات بالعمل في

" مقصف الباشا "  وفي "مقصف الرستن " وكل منهما نادي ليل وضيع.

بابا عمرو بحسب الكثيرين من ابناء حمص بعيد كل البعد عن الطائفية فليس فيه سوى بساتين وفقر ومخالفات بناء ازلية يأنف منها الملائكة ولكنها حتما وكر مثالي للتكفيريين المتسللين الى المدينة من لبنان، فابنائها يعرفون كيف يخرجون ويدخلون سورية من لبنان بسهولة معرفة الطفل الرضيع لثدي امه.

قد يظن الباحث عن الحقيقة في احياء حمص وقراها بان وسيطه إلى عالم الثورة في ليل سورية المليء بكوابيس الدم ليس حقا وسيطا نزيها، فكيف يدين قائدين مع قادة المعارضة الحمصية " ثورتهم " ويتهمونها بما يثبت نظرية النظام عن المسلحين وعصاباتهم الدموية ؟ 

لكن كلام ليل المحبطين من علمانية الحراك يتطابق وكلام نهار اطلقه   " رئيس المجلس الوطني الموالي للاميركيين " ، برهان غليون ، الذي ناشد  المعارضين في حمص   " وقف القتل والذبح والخطف والتصفيات التي تحدث حتى بين المعارضين انفسهم " (غليون وكالات – السابع عشر من ت2 نوفمبر)

 برهان غليون حمصي ويعرف تماما ما يجري في المدينة التي كان يوما معلما في مدارسها ، ولا بد بلغه نبأ وصول عدد الجثث التي رميت مشوهة في الاحياء العاصية على الثورة إلى مئة وثلاثين جثة شوهت السكاكين معظمها ومُثل بها، خاصة تلك التي تعود لنساء بريئات لا يمكن ان يثبت الثوريون ابدا انهن شبيحات تورطن في معركة ساحة الساعة .

مئة وثلاثين جثة وثلاثمئة وعشرين مخطوفا ومخطوفة حتى مساء يوم الخميس السابع عشر من ت2 نوفمبر .  

هي المدينة التي يفخر الوافدون اليها من قرى ريفها بان لا عائلة او عشيرة تسكنها الا وهي من الوافدين ما خلا واحدة او اثنتين.

 هي  مدينة عابري سبيل اقاموا فيها واستوطنوها فاستحقت لقب " مدينة جبر الخواطر" .

تقول مريم دراقي السباعي (42 عام ) وهي مديرة تسويق في احدى شركات الادوية الخاصة في المدينة وتسكن منطقة الوعر :  

في الثمانيات وقعت " المجزرة "  في حماة ولكن  حمص  هي التي كانت مرشحة لها اكثر، فعدد اعضاء الاخوان والتنظيم المسلح التابع لهم  في حمص  خلال احداث الثمانينات كان اكبر من الاعداد التي تجمعت في حماة (قتل في معركة حماة مئات من مقاتلي الاخوان الذين تعود اصولهم الى قرى ريف حمص )  ولكنهم  - الاخوان الحماصنة - لم يسيطروا على المدينة بل اختبأوا في ريفها وخاصة في البياضة المحافظة جدا دينيا ،  وفي القصير (التي تتحرك نخوة لاحياء حمص اكثر منه قناعة باهداف الثورة ) وفي تلكلخ ( مستوطنة تهريب ) والتي تكفلت بتهريب الاخوانجية الى شمال لبنان في الثمانينات .

هل الوجود الاخواني والوهابي كبير اليوم في حمص ؟

يجيب على سؤالنا احد المقربين من المحافظ فيقول :

 " تاريخيا لا يوجد تطرف ديني في المدينة ، وحتى اثناء فورة الشبان العاطلين الاخيرة (يسميها المعارضون ثورة ويسميها الموالون فورة ) لم يكن هناك دور كبير للمتدينين ولكن تدفق الاموال والسلاح والمقاتلين من لبنان  على بعض قرى ريف المدينة وتجاوب  رجال الدين الفاعلين في المدينة مع تدخلات خارجية مدعومة بالاموال  اوصل الامور الى ما نحن فيه الآن من صراع طائفي ومذهبي يحاول النظام حصر مفاعليه واضراره بكل قوته، لهذا يقود الاجهزة الامنية كافة في المدينة لواء مركزي من قادة احد الاجهزة الامنية الرئيسية في البلاد وهو المسؤول مباشرة الوضع في المدينة وهو يجهد للحفاظ على الحد الاقصى  من الامن مقابل استعمال الحد الادنى من العنف ، وقد نجح اللواء المذكور في  حصر ردود فعل الموالين والاجهزة الامنية على حد سواء ، فهدف العصابات المسلحة الاساس هو تفجير العنف الطائفي ودفع الموالين الى الانتقام  الاعمى ردا على مقتل وخطف المئات من المدنيين الذين يفتي المسلحون التكفيريون باستحقاقهم للقب " موالون " تبعا لمذهبهم مع ان اغلبية الموالين من بين اهل المدينة هم من " السنة " ولكن هدف تفجير حرب مذهبية يجعل من التعرض لابناء الطوائف التي تنتمي الى الاقليات  اولوية عند التكفيريين "

غدا الحلقة الثانية

"عربي برس"

المقال عدد القراءت تاريخ النشر
ملف خاص بالمحكمة الخاصة بلبنان مع وثائق وشهادات حصرية تنشر للمرة الأولى 18876 الجمعة 22 - 07 - 2011 - 21:11
رواية حمص ، بين شبيحة النظام وذبيحة الثورة - الحلقة الاولى 15690 الجمعة 18 - 11 - 2011 - 19:04
رواية حمص ، بين شبيحة النظام وذبيحة الثورة – الحلقة الثانية 13922 الأحد 20 - 11 - 2011 - 02:03
الترجمة الكاملة لتقرير "مجموعة الأزمات الدولية" حول الوضع في سوريا والسيناريوهات المحتمل أن يسلكها 10925 السبت 10 - 12 - 2011 - 17:26
هيومن رايتس ووتش: تقرير عن مسؤولية الأفراد والقيادة عن الجرائم ضد الإنسانية في سوريا 10417 الجمعة 16 - 12 - 2011 - 03:42
تحقيق عن السلاح والمسلحين في جبل الزاوية:إدلب المرقطة ... هنا سقط النظام ولم تنتصر الثورة ... بفضل رشاش"عوزي" الإسرائيلي!؟ 19092 الأحد 25 - 12 - 2011 - 22:28
كادر سابق في"إعلان دمشق": هكذا ولهذا السبب أحبط رياض الترك مفاوضات سرية مع "هيئة التنسيق الوطني" لتشكيل هيئة وطنية جامعة 12336 الخميس 05 - 01 - 2012 - 08:45
تقرير خاص لـ"رويترز": أكراد سوريا لا يثقون بالمعارضة: مقربة من تركيا... ولن تعطيهم حكماً ذاتياً 8131 الخميس 12 - 01 - 2012 - 09:13
أسرار باريس ـ دمشق: من مسرحيّة 7 أيار حتى لحظة الانفجار .. هكذا أنهى الفرنسيون المقايضات الأمنية مع دمشق 12061 السبت 21 - 01 - 2012 - 05:21
بين إيران والسعودية ولبنان وسوريا.. و"الجيش الحرّ": الغرب وإحياء الصراع السني ـ الشيعي: هل تندفع المنطقة إلى الهاوية؟ 10225 الثلاثاء 31 - 01 - 2012 - 09:58
تصدر بالتعاون مع : "المجلس الوطني للحقيقة والعدالة والمصالحة في سوريا" و "المركز الأوربي لأبحاث ودراسات الشرق الأدنى في لندن"

Issued in Cooperation With:
The National Council for Truth, Justice & Reconciliation in Syria - SYNATIC And The European Centre for Near Eastern Researches & Studies in London - ECNERS

Copyright © 2008-2017 Syriatruth.net/org/info Custom Design by NeyoDesign

Login