الخميس 20 تموز 2017

عن"الحقيقة".. تاريخا وتحريرا

صدرت"الحقيقة" للمرة الأولى في 14 تموز/ يوليو 2006 ، اليوم المصادف للذكرى الخامسة لتأسيس "المجلس الوطني للحقيقة والعدالة والمصالحة في سوريا" ، الذي أسسه ( مع آخرين) الصحفي والناشط الحقوقي السوري نزار نيوف في دمشق بعد إطلاق سراحه من اعتقال في زنزانة انفرادية دام حوالي عشر سنوات على ذمة منظمة "لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان في سوريا". وكان نيوف أسس هذه المنظمة في 10 كانون الأول / ديسمبر 1989 كأول منظمة مستقلة لحقوق الإنسان في سوريا، ورابع منظمة من نوعها على مستوى العالم العربي بعد التونسية والمصرية والأردنية. ومن المعلوم أن المخابرات العسكرية السورية شنت حملة اعتقالات ضد المنظمة أواخر العام 1991 بعد عامين من نشاطها السري. وقد طالت الحملة أكثر من ثلاثين من مجلسها القيادي ( نيوف ، المحامي أكثم نعيسة ، الحقوقي عفيف مزهر ، وأستاذ الأدب الإنكليزي محمد علي حبيب) وأعضاء فروعها ومناصريها في عدد من المحافظات، وأحالت سبعة عشر منهم إلى محكمة أمن الدولة التي أصدرت أحكاما مشددة بحقهم تراوحت ما بين ثلاث إلى تسع سنوات . وكان لافتا أن المحكمة خصّت نيوف وحده ـ من بين زملائه الخرين ـ  بالسجن عشر سنوات مع الأشغال الشاقة قضاها في العزل الإنفرادي ما بين سجن تدمر الصحراوي وسجن المزة العسكري وسجن صيدنايا ، فضلا عن فروع المخابرات العسكرية في دمشق ( المنطقة ، فلسطين ، و 248) خلال فترة التحقيق. وكان أحد ثلاثة سجناء سياسيين في تاريخ سوريا خصتهم السلطة بالسجن الانفرادي طيلة فترة اعتقالهم . أما الاثنان الآخران فهما رياض الترك ، الذي قضى فترة اعتقاله في الزنزانة 51 في "فرع التحقيق العسكرية"( الفرع 248) ، والملازم الأول الحقوقي في العمل الفدائي الفلسطيني عقل قربان (من بلدة قطنا) الذي اختطف من بيروت مطلع العام 1970 على أيدي المخابرات العامة (محمد ناصيف و فواز النقري) قبل أن يوضع في زنزانة انفرادية في سجن المزة العسكري ويفقد عقله ويلقى حتفه!

  أواخر العام 2000 ، أطلقت السلطة جميع معتقلي "اللجان" باستثناء نيوف ، وكان المحامي أكثم نعيسة أطلق قبل ذلك بحوالي ثلاث سنوات بعد إبرامه صفقة مع السلطة قضت ، من بين ما قضته ، بالسماح له بإعادة تأسيس "اللجان" والنشاط " تحت إشراف المخابرات العسكرية وبالتنسيق معها" ، كما اعترف شخصيا في محضر التحقيق معه من قبل محكمة أمن الدولة حين اعتقل لاحقا لفترة وجيزة في نيسان / أبريل  2004 قبل أن يطلق سراحه بعد إعلانه خطيا عن "ولائه وحبه للرئيس بشار الأسد ".( تملك "الحقيقة" نسخة عن محضر التحقيق الذي يتضمن اعترافاته هذه).

  بعد إطلاق سراحه في 6 أيار / مايو 2001 نتيجة لتكثيف الضغط الدولي ، لاسيما من قبل منظمة"اليونيسكو" التابعة للأمم المتحدة ، وقبيل سفره للعلاج في فرنسا ، أعلن نيوف ـ مع زملاء آخرين غادروا صفوف "اللجان" التي أصبحت تنشط باتفاق بين نعيسة والمخابرات العسكرية ـ عن تأسيس "المجلس الوطني للحقيقة والعدالة والمصالحة" كمنظمة معنية بشكل خاص في إجراء التحقيقات الميدانية النوعية المتعلقة بالجرائم المرتكبة ضد حقوق الإنسان في سوريا ، وليس بالقضايا "التقليدية" التي درجت عليها المنظمات الحقوقية التي تحولت إلى ما يشبه "مكاتب إعلامية" تكتفي بإصدار بيانات عن اعتقال هذا وذاك. (اضغط هنا لقراءة تغطية BBC البريطانية لتأسيس المجلس المذكور).

  صيف العام 2006 ، وكما ورد أعلاه ، أطلق نيوف ( بالتعاون مع الطبيبة نعمى خالد الخطيب ، والدكتورة ناديا قصار ـ دبج ، والمحامي جورج ابراهيم سارة) صحيفة "الحقيقة" لتكون ناطقة باسم "المجلس الوطني للحقيقة والعدالة والمصالحة" ، مع إعطائها هامشا أكثر اتساعا من حيث مروحة المواضيع التي تعالجها ، بحيث يمكنها تغطية مختلف الشؤون السورية وما يرتبط بها من قضايا إقليمية ودولية ، لاسيما في المشرق العربي.

نعم للسياسة ...لا لحقوق الإنسان!

   قبل ذلك ، وتحديدا في العام 2004 ، طور "المجلس" رؤيته ومقاربة مختلفة إزاء ما يتعلق بمفهوم "حقوق الإنسان" من خلال مراجعة رأت أن المفهوم مجرد ضرب من "الاحتيال الفكري والسياسي"، بالنظر لأن قضية "حقوق الإنسان" قضية سياسية في المقام الأول والأخير وليست قضية حقوق .. طالما أن الحقوق (في مجتمع محدد أو على المستوى العالمي) ليست في جوهرها وفي المآل النهائي سوى محصلة مكثفة لميزان القوى السياسي وتظهير لهذه المحصلة على المستوى القانوني والحقوقي، ولايمكن أن تكون "قيمة مطلقة مجردة" إلا فيما يخص بعض الحقوق الأساسية ، كالحق في الحياة على سبيل المثال لا الحصر. 

 هكذا، على سبيل المثال، ولد "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" في العام 1948 بوصفه تعبيرا عن موازين القوى السياسية المنتصرة في الحرب العالمية الثانية. فكان "البعد الاجتماعي في الإعلان المذكور"جائزة ترضية للمعسكر الشيوعي، بينما كان "البعد الليبرالي" المتمثل بالحريات الفردية والحقوق السياسية جائزة ترضية لمعسكر الدول الغربية التي شاركت في صناعة النصر ، أما البعد الثالث في"الإعلان"،المتمثل بمبدأ"حق الشعوب في تقرير المصير"، فجاء ترضية لشعوب المستعمرات التي تسبب المستعمرون وحروبهم في هلاك الملايين من أبنائها ونهب ثرواتها في واحدة من أكبر عمليات السطو المسلح في التاريخ البشري.

   ما يؤكد هذه الحقيقة هو أن "البعد الاجتماعي للإعلان" ، أي مبدأ العدالة الاجتماعية (الحق في التعليم والصحة والغذاء..)، سرعان ما تبخر من أروقة الأمم المتحدة وقراراتها ومؤسساتها بعد تفكك "المعسكر الاشتراكي" الذي كان دعامة البعد المذكور، وأصبح نشر الليبرالية المتوحشة ودفع الملايين إلى عالم التهميش والجوع والرذيلة .. عنوانا للنجاح الاقتصادي. ولم يكن من قبيل المصادفة أن مؤسسات الأمم المتحدة نفسها ، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي والبك الدولي للإنشاء والتعمير و منظمة التجارة العالمية، أو بتعبير أدق ثالوث عصابة الإرهاب الاقتصادي الدولي، هي من تولى قيادة وتنفيذ هذه العملية الإجرامية لصالح واشنطن وحلفائها.

  من هنا، وكما ترى "الحقيقة"، إن أي معركة من أجل الحريات العامة والحقوق الأساسية والديمقراطية السياسية، لايمكن إنجازها وإيصالها إلى خواتيمها المرجوة إلا إذا اقترنت بالعلمانية وبالعداء للإمبريالية الأميركية وحلفائها وأدواتها عبر العالم. ولعل ما حصل في تونس ومصر وليبيا، وما يحصل في اليمن وسوريا، دليل ساطع وقاطع على صحة اعتقادنا هذا. فكل ما قامت به هذه الانتفاضات حتى الآن ( ولن يتغير الأمر في المستقبل المنظور أو المتوسط) هو أنها استبدلت زين العابدين بن علي و"الحزب الدستوري" براشد الغنوشي وحزب "النهضة" ، و مافيات نظام مبارك وحزبه الوطني بـ"المجلس العسكري" و " الإخوان المسلمين" ، و نظام القذافي بعملاء الحلف الأطلسي و تكفيريي " القاعدة" و " الإخوان المسلمين". والأمر نفسه جار إعداده في اليمن ، وهو ما سيحصل عاجلا أو آجلا مهما أبدى مناضلو الانتفاضة اليمنية من شجاعة وبسالة ! أما في سوريا فسيكون الحال أكثر سوءا كلما ازداد وزن" العامل الخارجي" في التغيير رجحانا على حساب " العامل الداخلي" ، بالنظر لوجود عنصر أساسي استراتيجي في سوريا غير متوفر في البلدان العربية الأخرى ، وهو الصراع مع إسرائيل . حيث  لن يسمح التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي ـ السعودي ، مهما كلفه ذلك من ثمن ، بحصول تغيير ديمقراطي حقيقي في سوريا يقوم على ثلاث ركائز أساسية : الحريات الديمقراطية ، العدالة الاجتماعية ، و نظام وطني حقيقي معاد للتحالف المذكور وداعم لحركات التحرر والمقاومة في المنطقة.

الانتفاضة السورية : نحو سردية أخرى .. "ثالثة":

 لقد حاولت" الحقيقة" منذ انطلاقتها ، ورغم العثرات والكبوات التي سقطت أو أسقطت فيها ، أن تجسّد " الخط السياسي" الموما إليه أعلاه ، ولهذا لم ينبها سوى التعريض والقدح والتشهير على مدار السنوات الماضية ، سواء من قبل السلطة وأدواتها و" شبيحتها" في الإعلام الرسمي وشبه الرسمي ، أو من قبل "شبيحة" المعارضة الذين ينهلون من أدبيات التحالف المذكور ويدافعون عن مصالحه مباشرة أو مداورة. ( ليست محض مصادفة أن يتزامن التشهير بـ"الحقيقة" وببعض محرريها من قبل السلطة ومن قبل تلك "المعارضة" في آن واحد ، وأن يجري التناوب على تخريب موقعها من قبل "الجيش السوري الإلكتروني" ، ذراع المخابرات العامة ، ومن مجموعات "المعارضة" السورية المنتمية للتحالف المذكور ، في آن معا! فالطرفان كلاهما يشكلان وجهين لعملة واحدة ، وحليفين موضوعيين لا يفترقا مهما استكلبا في نهش بعضهما البعض .. إلا إذا كانت قطعان الضباع التي تتنهاش بعضها تفعل ذلك من أجل إحياء الجيفة وبث الروح فيها .. وليس من أجل تقاسم أشلائها وعظامها!).

تصدر بالتعاون مع : "المجلس الوطني للحقيقة والعدالة والمصالحة في سوريا" و "المركز الأوربي لأبحاث ودراسات الشرق الأدنى في لندن"

Issued in Cooperation With:
The National Council for Truth, Justice & Reconciliation in Syria - SYNATIC And The European Centre for Near Eastern Researches & Studies in London - ECNERS

Copyright © 2008-2017 Syriatruth.net/org/info Custom Design by NeyoDesign

Login